فصل: من لطائف وفوائد المفسرين:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في الآية قال: أصاب الناس جهد عظيم، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتصدقوا فقال: «أيها الناس تصدقوا». فجعل أناس يتصدقون، فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعمائة أوقية من ذهب فقال: يا رسول الله كان لي ثمانمائة أوقية من ذهب فجئت بأربعمائة أوقية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهمَّ بارك له فيما أعطى وبارك فيما أمسك».
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: لما كان يوم فطر أخرج عبد الرحمن بن عوف مالًا عظيمًا، وأخرج عاصم بن عدي كذلك، وأخرج رجل صاعين، وآخر صاعًا. فقال قائل من الناس: إن عبد الرحمن إنما جاء بما جاء به فخرًا ورياء، واما صاحب الصاع أو الصاعين فإن الله ورسوله غنيان عن صاع وصاع، فسخروا بهم فأنزل الله فيهم هذه الآية: {الذين يلمزون المطوّعين من المؤمنين في الصدقات}.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يتصدقوا فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: انما ذلك مال وافر فأخذ نصفه.
قال: فجئت أحمل مالًا كثيرًا. فقال له رجل من المنافقين: أترائي يا عمر؟ قال: نعم. أرائي الله ورسوله فاما غيرهما فلا.
قال: وجاء رجل من الأنصار لم يكن عنده شيء فأجر نفسه بجر الحرير على رقبته بصاعين ليلته، فترك صاعًا لعياله وجاء بصاع يحمله، فقال له بعض المنافقين: إن الله ورسوله عن صاعك لغنيان. فذلك قوله: {الذين يلمزون المطوّعين من المؤمنين في الصدقات}.
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة {الذين يلمزون المطوّعين} أي يطعنون على المطوعين.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: {والذين لا يجدون إلا جهدهم} قال: هو رفاعة بن سعد.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الشعبي في قوله: {والذين لا يجدون إلا جهدهم} قال: الجهد في القوت، والجهد في العمل.
وأخرج أبو الشيخ عن سفيان في الآية قال: الجهد جهد الإِنسان، والجهد في ذات اليد.
وأخرج ابن المنذر عن ابن إسحق قال: كان الذي تصدق بجهده أبو عقيل واسمه سهل بن رافع، أتى بصاع من تمر فافرغها في الصدقة، فتضاحكوا به وقالوا: إن الله لغني عن صدقة أبي عقيل.
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم مقامًا للناس فقال: «يا أيها الناس تصدقوا أشهد لكم بها يوم القيامة، ألا لعل أحدكم أن يبيت فصاله راو وابن عمه طاو، ألا لعل أحدكم أن يثمر ماله وجاره مسكين لا يقدر على شيء، الا رجل منح ناقة من ابله يغدو برفد ويروح برفد، يغدو بصبوح أهل بيت ويروح بغبوقهم، ألا إن أجرها لعظيم». فقام رجل فقال: يا رسول الله عندي أربعة ذود. فقام آخر قصير القامة قبيح السنة يقود ناقة له حسناء جميلة فقال رجل من المنافقين كلمة خفية لا يرى أن النبي صلى الله عليه وسلم سمعها: ناقته خير منه. فسمعها النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كذبت هو خير منك ومنها ثم قام عبد الرحمن بن عوف فقال: يا رسول الله عندي ثمانية آلاف، تركت أربعة منها لعيالي وجئت بأربعة أقدمها لله، فتكاثر المنافقون ما جاء به، ثم قام عاصم بن عدي الأنصاري فقال: يا رسول الله عندي سبعون وسقًا جذاذ العام، فتكاثر المنافقون ما جاء به وقالوا: جاء هذا بأربعة آلاف وجاء هذا بسبعين وسقًا للرياء والسمعة فهلا أخفياها فهلا فرقاها. ثم قام رجل من الأنصار اسمه الحجاب يكنى أبا عقيل فقال: يا رسول الله مالي من مال غير اني أجرت نفسي من بني فلان، أجر الحرير في عنقي على صاعين من تمر، فتركت صاعًا لعيالي وجئت بصاع أقربه إلى الله تعالى، فلمزه المنافقون وقالوا: جاء أهل الابل بالابل، وجاء أهل الفضة بالفضة، وجاء هذا بتمرات يحملها، فأنزل الله: {الذين يلمزون المطوّعين...} الآية.
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن أبي السليل قال: وقف علينا شيخ في مجلسنا فقال: حدثني أبي أو عمي أنه شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبقيع قال: «من يتصدق اليوم بصدقة أشهد له بها عند الله يوم القيامة». فجاء رجل- لا والله ما بالبقيع رجل أشد سواد وجه منه، ولا أقصر قامة، ولا أذم في عين منه- بناقة- لا والله ما بالبقيع شيء أحسن منها- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذه صدقة؟ قال: نعم يا رسول الله. فلمزه رجل فقال: يتصدق بها والله لهي خير منه. فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمته فقال: كذبت بل هو خير منك ومنها، كذبت بل هو خير منك ومنها ثلاث مرات، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الا من قال بيده هكذا وهكذا وقليل ما هم، ثم قال: «قد أفلح المزهد المجهد، قد أفلح المزهد المجهد».
وأخرج أبو داود وابن خزيمة والحاكم وصححه عن أبي هريرة. أنه قال: يا رسول الله أي الصدقة أفضل؟ قال: «جهد المقل، وابدأ بمن تعول». اهـ.

.فوائد لغوية وإعرابية:

قال السمين:
{الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ}
قوله تعالى: {الذين يَلْمِزُونَ}:
فيه أوجه:
أحدهما: أنه مرفوعٌ على إضمارِ مبتدأ، أي: هم الذين. الثاني: أنه في محل رفع بالابتداء و{من المؤمنين} حالٌ مِن {المطَّوِّعين}، و{في الصدقات} متعلق بـ {يَلْمِزون}. و{وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ} نسقٌ على {المطَّوِّعين} أي: يَعيبون المياسير والفقراء.
وقال مكي: {والذين} خفضٌ عطفًا على {المؤمنين}، ولا يَحْسُن عَطْفُه على {المطَّوِّعين}، لأنه لم يتمَّ اسمًا بعد، لأن {فيسخرون} عطف على {يَلْمِزُون} هكذا ذكره النحاس في الإِعراب له، وهو عندي وهمٌ منه. قلت: الأمر فيه كما ذكر فإن {المطَّوِّعين} قد تَمَّ من غيرِ احتياجٍ لغيره.
وقوله: {فَيَسْخَرُونَ} نسقٌ على الصلة، وخبر المبتدأ الجملةُ من قوله: {سَخِرَ الله مِنْهُمْ}، هذا أظهرُ إعرابٍ قيل هنا. وقيل: {وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ} نسقٌ على {الذين يَلْمزون}، ذكره أبو البقاء. وهذا لا يجوزُ؛ لأنه يلزمُ الإِخبارُ عنهم، بقوله: {سَخِرَ الله مِنْهُمْ} وهذا لا يكون إلا بأَنْ كان الذين لا يَجِدون منافقين، وأمَّا إذا كانوا مؤمنين كيف يَسْخر الله منهم؟ وقيل: {وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ} نسقٌ على المؤمنين، قاله أبو البقاء. وقال الشيخ: وهو بعيدٌ جدًا، قلت: وَجْهُ بُعْدِ أنه يُفْهِمُ أن الذين لا يجدون ليسوا مؤمنين؛ لأنَّ أصلَ العطفِ الدلالةُ على المغايرة فكأنه قيل: يَلْمِزون المطَّوِّعين من هذين الصنفين: المؤمنين والذين لا يجدون، فيكون الذين لا يجدون مطَّوِّعين غيرَ مؤمنين.
وقال أبو البقاء: {في الصدقات} متعلق بـ {يَلْمِزون}، ولا يتعلق بالمطَّوِّعين لئلا يُفْصَل بينهما بأجنبي، وهذا الردُّ فيه نظر، إذ قولُه: {من المؤمنين} حال، والحال ليست بأجنبي، وإنما يظهر في رَدِّ ذلك أن يطَّوَّع إنما يتعدى بالباء لا بفي، وكونُ في بمعنى الباء خلافُ الأصل.
وقيل: {فَيَسْحَرُونَ} خبرُ المبتدأ، ودَخَلَتِ الفاءُ لِما تضمَّنه المبتدأ من معنى الشرط، وفي هذا الوجهِ بُعْدٌ من حيث إنه يَقْرُب من كونِ الخبر في معنى المبتدأ، فإنَّ مَنْ عاب إنسانًا وغَمَزَه علم أنه يسخر منه فيكون كقولهم: سيد الجارية مالكها.
الثالث: أن يكونَ محلُّه نصبًا على الاشتغال بإضمار فعل يُفَسِّره {سَخِرَ الله مِنْهُمْ} مِنْ طريقِ المعنى نحو: عاب الذين يَلْمِزون سخر الله منهم. الرابع: أَنْ ينتصبَ على الشتم. الخامس: أن يكونَ مجرورًا بدلًا من الضمير في {سِرَّهم ونجواهم}.
وقرئ {يُلْمزون} بضم الميم، وقد تقدَّم أنها لغة.
وقوله: {سَخِرَ الله} يُحْتمل أن يكونَ خبرًا محضًا، وأن يكون دعاءً.
وقرأ الجمهور {جُهدهم} بضم الجيم.
وقرأ ابن هرمز وجماعة {جَهْدهم} بالفتح. فقيل: لغتان بمعنى واحد. وقيل: المفتوحُ المشقَّة، والمضمومُ الطاقةُ قاله القتبي. وقيل: المضمومُ شيءٌ قليلٌ يُعاشُ به، والمفتوحُ العملُ. اهـ.

.من لطائف وفوائد المفسرين:

من لطائف القشيري في الآية:
قال عليه الرحمة:
{الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (79)}
عابوا الذين قَصُرَتْ أيديهم عن الإكثار في الصَدَقة وجادوا بما وصَلَتْ إليه أيديهم، فَشَكَرَ اللهُ سَعْيَ من أخلص في صدقته بعدما عَلمَ صِدْقَه فيها. وقليلُ أهلِ الإخلاص أفضلُ مِنْ كثيرِ أهلِ النفاقِ.
ولمَّا أوجدوا المسلمين بسخريتهم وَصَفَ اللهُ- سبحانه وتعالى- نفْسَه بما يستحيل في وصفه- على التحقيق- هو السخرية بأحدِ.. تطيبًا لقلوبِ أوليائه، فقد تقدَّس عن ذلك لعِزَّة ربوبيته. اهـ.

.التفسير الإشاري:

قال نظام الدين النيسابوري:
التأويل: {بعضهم أولياء بعض} لأن التعارف في عالم الأرواح يوجب التآلف في عالم الأشباح {يأمرون بالمعروف} الحقيقي أي بطلبه والمطلوب هو الله لقوله فأحببت أن أعرف {وينهون عن المنكر} وهو ما يقطع العبد عن الله: {ويقيمون الصلاة} الحقيقة {ويؤتون الزكاة} يعني ما فضل عن كفافهم الضروري {ويطيعون الله ورسوله} بخلاف المنافقين فإنهم يطيعون النفس والهوى {ومساكن طيبة} على مراتب النفوس الطيبة فإن الطيبات للطيبين {يا أيها النبي} يعني القلب الذي له نبأ من مقام الانباء {جاهد} النفوس الكافرة بسيف الصدق والمخالفات، وجاهد نفوس المريدين الذين يدعون الإرادة في الظاهر دون الباطن {واغلظ عليهم} في المؤخذات بأحكام الشريعة والطريقة حتى تتمرن نفوسهم وإلا {فمأواهم جهنم} القطيعة {ولقد قالوا كلمة الكفر} وهي التي توجب الإنكار والاعتراض على الشيخ {وهموا بما لم ينالوا} أي أثبتوا لأنفسهم مرتبة الشخيوخة قبل أوانها {وما نقموا} إلا أن الشيخ رباهم بلبان فضل الله عن حلمة الولاية فلم يحتملوا لضيق حوصلة الهمة، ومربد الطريقة أعظم من مربد الشريعة فلهذا يكون عذابه أليمًا في الدنيا والآخرة كما قال الجنيد: لو أقبل صديق إلى الله ألف سنة ثم أعرض عنه لحظة فإن ما فاته أكثر مما ناله {ومنهم من عاهد الله} باستعداده الفطري {لئن آتانا من فضله} جعلنا متمكنين من اكتساب الكمال {لنصدقن} لنصرفن كل ما أعطانا فيما أعطى لأجله {إلى يوم يلقونه} أي يلقون جزاء النفاق {وأن الله علام الغيوب} يعلم ما توسوس به أنفسهم وهو غيب عن الخلف ويعلم ما يستكن في قلوبهم وهو غيب في نفوسهم ولهذا قال: {الغيوب}.
{سخر الله منهم} ذكره بلفظ الماضي ليعلم ان سخرية المنافقين نتيجة سخرية الله بهم في الأزل. اهـ.

.تفسير الآية رقم (80):

قوله تعالى: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (80)}

.مناسبة الآية لما قبلها:

قال البقاعي:
ولما كان صلى الله عليه وسلم معروفًا بكثرة الاحتمال وشدة اللين المشير إليه {عفا الله عنك لم أذنت لهم} للمبالغة في استجلابهم والحرص على نجاة جميع الخلق فكان معروفًا بالاستغفار لهم تارة على وجه الخصوص بسؤالهم عند اعتذارهم وحلفهم وتارة على وجه العموم عند استغفاره لجميع المسلمين، أخبره تعالى من عاقبة أمره بما يزهده فيهم ليعرض عنهم أصلًا ورأسًا، لأنهم تجاوزوا حق الله في ترك الجهاد ومنع الصدقة وحقه صلى الله عليه وسلم في لمزه في الصدقات ووصفه بما يجل عنه إلى حقوق المجاهدين الذين هو سبحانه خليفتهم في أنفسهم وأهليهم وأموالهم مع ما سبق في علمه للمنافقين من أنه لا يغفر لهم فقال: {استغفر} أي اطلب الغفران {لهم أو لا تستغفر لهم} أي استوى في أمرهم استغفارك لهم وتركه {إن تستغفر} أي تسأل الغفران {لهم سبعين مرة} أي على سبيل الحقيقة أو المبالغة؛ ولما كان الإخبار باستواء الأمرين: الاستغفار وتركه ربما كان مسببًا عن الغفران وربما كان مسببًا عن الخسران، عينه في هذا الثاني فقال: {فلن يغفر الله} أي الذي قضى بشقائهم وهو الذي لا يرد أمره {لهم} وهو يحتمل أن يكون جوابًا للأمر، وجواب الشرط محذوف لدلالته عليه، والمراد بالسبعين على ما ظهر في المآل المبالغة في أنه لا يغفر لهم لشيء من الأشياء ولو غفر لهم لشيء لكان لقبول شفاعة نبيه صلى الله عليه وسلم، والعرب تبالغ بما فيه لفظ السبعة لأنها غاية مستقصاة جامعه لأكثر أقسام العدد، وهي تتمة عدد الخلق كالسماوات والأرض والبحار والأقاليم والأعضاء.